سفير اليابان ودروس المحبّة بالمجان

img
المحلية 0 كاتب

علي محمود خضيّر

نشرت صفحة السفارة اليابانية في العراق على (فيسبوك) مقطعاً فيديوياً يظهر فيه سعادة السفير الياباني (فوميو أيواي) مُدلياً بتصريح ظريفٍ يحمل أكثر من دلالة حول المباراة الكروية بين العراق واليابان في تصفيات كأس العالم التي جرت أمس الاول.
التعليق الصحفي الذي ادلى به السفير أيواي كان يحمل بين طياته بُعداً رمزياً أبعد من مباراة كروية، بُعداً يتعلّق بالطبيعة اليابانية المحببة للنفوس، المنفتحة على الآخر، المتسامحة والمزدانة بالتواضع الرفيع والذوق الانسانيّ الممتد عميقاً في جذور الحضارة اليابانية ويعطي انطباعاً عن كيفية إدارة العلاقات الخارجيّة مع الدول في العالم، فعلى الرغم من أن المباراة بين البلدين حاسمة ومصيرية في تصفيات بطولة مهمة (كأس العالم) فان سعادة السفير ظهر مرتدياً القميص الوطني العراقيّ ومتحدثاً باللهجة العراقية الدارجة (العاميّة) في اجراء نال حب واستحسان كل من شاهده ولم ينسَ تزامن المباراة مع شهر رمضان الكريم والأيام الحارّة التي يعيشها العراقيون، في التصريح قال سعادة السفير ببساطة عراقيّة-يابانية: “شلونهم شباب، الدنيا كلش حارة هاليومين، بس إن شاء الله الصوم ما يكون تعبكم هواية”، ثم أردف قائلاً: “صعب عليه منو أشجع، لأني أخوكم والعراق بلدي الثاني وحب الطوبة من الأشياء التي تجمعنا” وختم التصريح بخلاصة مهمة “أهم شي خلونا نتونس سوية بالمباراة والتوفيق للفريقين”.
الحقّ أن السفير اختصر بدقيقتين مجمل الأسلوب الياباني في التعامل مع الآخر، الأسلوب الذي يؤطر المواجهة الندّية المصيرية باطار من المحبة وطلب المتعة وممارسة الشغف بالحياة بعيداً عن حسابات النصر والهزيمة، وهو الأسلوب الذي نقل الياباني من دولة خارجة من الحرب العالمية الثانية منهكة ومتضررة نفسياً واقتصادياً إلى دولة استثنائية تقف في الصف الأول من دول العالم في الوقت الحاضر.
إن كيفية التحول من دولة حرب إلى دولة سلام وطمأنينة وحب للحياة هي اختصار للقصة اليابانية التي علينا أن نتأملها ملياً وأن نفكر فيها، الاستفادة من الدورس والعبر للتجارب الإنسانية التي سبقتنا حول العالم تظل الطريقة الأمثل في مسيرة بناء بلدنا الجديد ووضعه مرة ثانية على الطريق الصحيح.
اليابان تعلمت الدرس، وعرفت أن لا بناء ولا تطور ولا حياة مستقرة من دون رسالة سلام وحب للآخر مهما كان، ولا سلام من دون تقرب وتقارب مع الآخر، تقرب يجعلنا نندمج معه، مع عاداته وتقاليده، مع لغته ومعتقداته وحتى مع زيّه الشعبي ولهجته الدارجة، بهذه السياسة الخارجية تحصل الدول على احترام الجميع وتكافلها، وتفتح المجال ممهدة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وامنيّة لبلدانها.
إن التقاطع والتكاره لا يجلب سوى مزيد من الخراب والعنف، وقد جربت المنطقة العربية والعراق ما يكفي منهما، وأولى بنا أن نتمثل التاريخ بدروسه والحاضر بمعطياته فهي دروس مجانية تختصر الوقت علينا وتجنبنا خسارة المزيد من الزمن بالتجريب المتخبط. تحية عراقية لليابان، بغض النظر عن نتيجة المباراة، في النهاية لقد فزنا معاً بروح المحبّة.

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً