ملحمة جلجامش

img

عبد الرزاق داغر الرشيد

ملحمة جلجامش واحدة من أروع وأرقى الملاحم الانسانية التي قدمها العراق أرض الرافدين وهي أيضا واحدة من كنوز التراث الانساني، والتي ان دلت على شيء، فانما تدل على حضارة عريقة موغلة في القدم، علمت البشرية منذ فجر التاريخ . وقد ترجمها المرحوم د . طه باقر عن الأكدية بغداد 1980، ومنذ تلك الترجمة تم طبع وترجمة “ ملحمة جلجامش” عشرات الطبعات والترجمات الى اللغة العربية، علاوة علي ترجماتها بكل لغات العالم،ولأن تاريخ هذه الملحمة يمتد الي أربعة الآف عام، فهي تعد من أقدم الملاحم، وتكاد تصارع في قدمها ملاحم شهيرة مثل ملحمة الأوديسة والألياذة، بل إن بعض الباحثين لا يستبعدون تأثر الشاعر اليوناني هوميروس بالملحمة البابلية التي كانت ذائعة الصيت وقتها ، وملاحم غيرها شهيرة.
وملحمة جلجامش استمدت اسمها من بطل الملحمة “ جلجامش” وأحيانا يطلق عليها اسم” هو الذي رأى كل شيء” نسبة الي أول بيت فيها، وهي عبارة عن قصيدة شعرية طويلة لم تكن هي التشكيل الوحيد للأساطير وقصص المغامرات والحكايات الشعبية التي دارت حول شخصية جلجامش وتناقلتها الأفواه قبل تدوينها بمئات السنين، ذلك أن جذور هذه الملحمة البابلية الأصلية ممتدة في عروق الثقافة السومرية ولها تاريخ سابق يقوم على عدد من القصص السومرية التي تمكن العلماء من جمع شذراتها وحل معظم ألفاظها خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
وقد اتفق العلماء على أن جلجامش شخصية حقيقية عاشت على أرض الواقع، وأنه كان ملكا لدولة “أوروك” في جنوب بابل، كما اتفقوا أيضا على أنه عاش بين سنتي (2750و 2600 ق .م) وأنه كان من أقوى الملوك السومريين في فترة حافلة بالصراعات الدامية بين دول المدينة التي أسسوها.
واذا لم يكن جلجامش هو أول بطل انساني، فهو بالتأكيد أول بطل مأساوي في تاريخ الأدب العالمي، واذا كانت مأساته تكمن في فشله النهائي في التوصل للخلود الذي جاهد من أجل السعي والوصول اليه، فان هذا الفشل ذاته هو سر بطولته وانسانيته التي تجعله أقرب الينا من كثير من أبطال المآسي القديمة والحديثة على السواء، وعلى الرغم من أن شاعر الملحمة قد جاري الكهنوت والتقاليد الدينية والأسطورية القديمة في تصوير جماله وقوته في صورة خارقة للمقاييس البشرية، وصرح أكثر من مرة بأن ثلثيه الهي والباقي بشري فان، فقد حرص في نفس الوقت علي تأكيد انسانيته وفرديته، وابراز ضعفه وتردده في كثير من مواقفه وهواجس رؤاه وأحلامه، وعلى تتبع تطهيره التدريجي من تألهه وتجبره وتسلطه على شعبه، بل ومن تمرده المؤلم والعقيم على قوانين الموت والفراق المحتوم الذي هو آفة البشر، حتي وصوله الي مرحلة الوعي بمأساوية الوضع البشري وقانون اللحظة العابرة والواقع هنا والآن، والقناعة بأن الخلود الوحيد المتاح للبشر انما يكون في انجاز أعمال حضارية نافعة للمسيرة الانسانية، من نوع السور الذي بناه، والذي يثني عليه ثناء حارا وهو في الطريق الي موطنه ومسقط رأسه.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً