جلال الطالباني : موكب الراحلين عنا

img

محمد عبد الجبار الشبوط

يرحلون عنا واحدا بعد الاخر. أعني رجال المعارضة الذين تصدوا بفترات متفاوتة لواحد من اعتى النظم الدكتاتورية المستبدة. لا اقصدمن ذهب قبل سقوط النظام، فهم كثيرون، لكني اقصد الذين غادروا المشهد السياسي والحياتي بعد ان تكحلت عيونهم وهم يَرَوْن الصنم يهوي الى الحضيض حيث مزبلة التاريخ.
جلال الطالباني اخر الراحلين ولن يكون ا೻خير. سبقه السيد محمد باقر الحكيم، وأخوه عزيز الحكيم، وعز الدين سليم والسيد محمد بحر العلوم، واحمد الجلبي، وسعد صالح جبر، والسيد ابو عقيل هاشم الموسوي، والدكتورة عقيلة الهاشمي ومهدي الحافظ، وما زالت القائمة مفتوحة تستقبل المزيد من رفاق الدرب وأخوة المصير.
تعرفت على جلال الطالباني لأول مرة في دمشق في أواسط الثمانينات. يومها كنت رئيسا لتحرير صحيفة “البديل الاسلامي”. وقد اجريت معه حوارا مطولا لفت نظري فيه تمكنه من اللغة العربية. كان يتحدث بلغة عربية فصحى سليمة وبطلاقة دون ان يقع في خطأٍ واحد.
تمر السنوات، ونلتقي ايضا في مؤتمر فيينا للمعارضة العراقية في حزيران عام ١٩٩٢. وفِي المؤتمر ترأس جلال الطالباني اللجنة السياسية للمؤتمر، وكنت انا نائب الرئيس. في هذه اللجنة أقر المؤتمر بحق الشعب الكردي بتقرير مصيره في اطار الدولة العراقية الواحدة.
بعد المؤتمر، تكررت زياراتنا الى كردستان ولفترات طويلة خاصة في اجتماعات المجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي الموحد، حيث كنت عضوا في المجلس ورئيسا للمكتب الاعلامي فيه. وكان الطالباني عضو رئاسة المؤتمر المكونة من ثلاثة أشخاص هم اضافة الى الطالباني السيد محمد بحر العلوم واللواء حسن النقيب.
بعد هزيمة النظام الصدامي في حرب الكويت واندلاع الانتفاضة الشعبية عقدت المعارضة مؤتمر بيروت لدعم الانتفاضة. وشارك القادة الكرد معنا في المؤتمر. وألقيت انا كلمة في المؤتمر. لكننا فوجئنا بعد ذلك بذهاب القيادة الكردية بما فيهم الطالباني الى بغداد والجلوس مع صدام حسين. تلك الحادثة أوضحت وجود اختلاف جوهري في طبيعة المعارضة بيننا وبين الكرد. لكننا كنا نادرا ما نتحدث عن هذا الموضوع، الا انني كتبتِ في حينها مقالا بهذا الشان.
بعد انسحاب النظام البعثي من كردستان اتفقت الاحزاب الكردية على اجراء انتخابات عامة في المنطقة. وفعلا اجريت الانتخابات في مايس عام ١٩٩٢ وفاز فيها الحزبان الكرديان الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني بعدد متقارب من الأصوات فقررا ان يتقاسما المقاعد البرلمانية ولاحقا الحقائب الوزارية مناصفة. وتلك كانت البداية الفعلية لنظام المحاصصة. وهو نظام أدى بعد ذلك الى نشوب حرب اهلية في كردستان بين الحزبين المذكورين استمرت عدة سنوات وراح ضحيتها المئات بل الآلاف من الأشخاص. حاول المؤتمر الوطني العراقي الموحد بقيادة احمد الجلبي التوسط بين الطرفين عدة مرات، وقمنا بالعديد من الزيارات المكوكية بين الحزبين لوضع حد لها. لكن دخول الجيش العراقي بدعوة من السيد مسعود البارزاني اربيل في ٣١ اب عام ١٩٩٦أنهى النزاع لصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني عمليا.
شارك الطالباني بكل مؤتمرات المعارضة التي شاركت فيها، وكان اخرها مؤتمر لندن قبيل سقوط النظام. عند انتهاء اعمال المؤتمر رايت الطالباني واقفا في وسط القاعة وخاطب أعضاء المؤتمر قائلا: نلتقي في بغداد ان شاء الله. كان واثقا من ان ساعة سقوط صدام قد دقت.
في بغداد كنت كثيرا ما أزوره وخاصة بعد ان اصبح رئيسا للجمهورية. كتبت عنه في حينها مقالا لم اقل فيه انه اول كردي يتولى رئاسة الجمهورية، انما قلت انه اول رئيس منتخب للعراق منذ عام ١٩٥٨.
كان بسيطا ودودا كثيرا ما يروي النكات التي تمسه شخصيا. لكنه كان شخصية مثيرة للجدل والخلاف. والناس فيه مذاهب ومشارب. حاز محبة البعض، لكنه اثار معارضة البعض الاخر. وفِي ظني ان هذه هي الحالة الطبيعة للشخصية العامة. فلا يمكنك ان تنال محبة ورضا الجميع.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً