ريادة المسرحية الومضة.. ابتكار أم تأصيل؟

img

حيدر السلامي – الجزء الثاني

وفي الأخير استقر لدى القراء المتابعين لكتاباته ولدى الميالي نفسه أن جنس المسرح الومضي إنما يتميز عن سائر الأجناس الحديثة بأنه مسرحية كاملة البناء يتألف نصها من بداية ووسط ونهاية، لكنه مقتضب جداً فلا يتجاوز الدقيقتين ويقوم على عنصر الدهشة والمفاجأة في نهايته خاصة ويستغرق في الرمزية.
ويشير إلى إمكانية اعتماده بمفرده كعرض مسرحي كامل أو كافتتاحية لمهرجان مسرحي أو مسابقة أدبية عامة أو خاصة أو عرض مسرحي تقليدي أو عرضه ضمن باقة من الأعمال الومضية متتالية لإشباع رغبة الجمهور وتكريس متعة المشاهدة لديهم، كما يمكن اعتباره رسالة أولية في بدايات المؤتمرات والمهرجانات ومحافل التكريم والتأبين والبرامج الثقافية المتلفزة وأمثالها.
وسواء شئنا أم أبينا فقد وضعنا الميالي بالمواجهة مع لون وذوق خاص وبشرنا بولادة جنس أدبي نشر منه لحد الآن أكثر من خمسين نصاً فضلًا عن عشرة نصوص بقلم صاحبه، ولا نستبعد أن نقرأ ونشاهد المزيد في قابل الأيام كما يقول وما علينا إلا تقبل هذه الفكرة والتعامل معها بجدية واهتمام ومن ثم الحكم لها أو عليها.
نورد هنا أنموذجين من الومضة المسرحية لمحمد الميالي:
(1) إيثار
موسيقى فلكلورية خاصة من عمق المسرح ، ينفتح الستار على بقعة إضاءة في وسط المسرح ..تكشف عن فتاة ترتدي زيا فلكلوريا تحمل على كتفها جرة ماء مزركشة ..وخلفها ثلاثة فتيان وبينهم فتاة صغيرة .. الكل كفاه تحت خرير الجرة .. إلا هي واقفة ظامئة ..حتى ينفد ماء الجرة .. ينسحب الجميع .. وتبقى هي للحظات .. ثم تنزل الجرة لتشرب ..فلا تجد قطرة واحدة .. تنتقل لمقدمة المسرح مع بقعة الضوء ..تجلس خلف الجرة محتضنة لها ساندة خدها عليها ..فتعزف الوصلة الموسيقية الأخيرة.
صوت (تعليق)
آلهة الجمال
قيثارة عشق تعرج اليها الحياة
تصلي في محراب
جرتها كل الكائنات
تقنت الأفواه بين كفيها
وتظمأ هي.يضيء المسرح..
ـ انتهت ـ
(2) مخالب
مدة العرض دقيقتان
يفتح الستار.. المسرح ( دم)
من زاوية المسرح تدخل فتاة تكشفها بقعة ضوء حمراء، مع مؤثر وقع أقدام تسير بحذر وموسيقى ترقب، مؤثر زئير يرعبها. تلتفت يمينا تشاهد أنياباً ترتعب أكثر.. تقفز عنها مع صرخة .. مع موسيقى رعب . تتفاجأ بعيون حمر كالجمر تنظر لها.. ترتعب وتقفز مع صرخة شديدة..ترتد وترتعب أكثر.. تقرر الهرب .. تتراجع للخلف الى وسط المسرح.. تلتفت تجد مخالب ..تقطع المسرح تحول دون هروبها.. تفكر قليلا ثم تقرر القفز فوق المخالب تسقط في الجهة الثانية.. تتفاجأ بقهقهة .. تلتفت بخوف..تكشف لها بقعة ضوء رجل بهيئة ذئب جالس على كرسي وعلى جانبيه مجموعة ثعالب .. ترتد .. تدور حول نفسها تعود بالنظر لما اعترضها في الجهة الثانية.. ترى نفس الأنياب وذات الزئير.. تستخرج علم بلدها.. وتمتد وتغطي جسدها بالعلم. دم للمسرح بالكامل..
تغلق الستار.. مع استمرار موسيقى الرعب ومؤثراته حتى يتم الغلق.
انتهت
لقد رسم لنا هذان الأنموذجان لوحة تشكيلية زاهية الألوان متناهية الأبعاد استدرجتنا رغم رمزيتها للقراءة من دون أن نشعر بأدنى عناء أو ملل وبالتالي فهي صورة قلمية من السهل الممتنع، وحدث متنامٍ وصراع متصاعد وشخوص وزمكانية تقودنا بالنتيجة للإذعان بوجود دلالة واضحة وتأكيد على إبداع كامن في أحشاء كل كلمة نطقت بها. وسواء أكانت تأصيلاً لمحاولة تجنيسية قديمة أم كانت ابتكاراً جديداً يحاول انتزاع اعترافنا به فإننا ملزمون بالتعاطي مع المسرحية الومضة بوصفها كائناً أدبياً يتنفس في واقعنا الثقافي ويدب على خشبتنا الافتراضية.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً