من اجل ولادة سهلة للحكومة المقبلة

محمد عبد الجبار الشبوط

في كل دورة انتخابية تشريعية (انتخابات مجلس النواب) يثار النقاش حول العدد الكبير الاحزاب التي تسجل أسماءها لدى المفوضية العليا للانتخابات لغرض المشاركة في الانتخابات.
من المقرر ان تجرى الانتخابات المقبلة في ١٥ أيار من عام ٢٠١٨، اي بعد حوالي ٦ اشهر. وقد تجاوز عدد الاحزاب المسجلة حتى الان ١٢٠ حزبا.
ويتمحور النقاش حول مسالة فيما اذا كان هذا العدد كبيرا ام لا. وهل ان هذا العدد طبيعي ام غير طبيعي.
يعتمد الجواب على نوعية الديمقراطية المطبقة في البلد. والديمقراطية العراقية مازالت تتأرجح بين الديمقراطية العددية او ديمقراطية الاغلبية وبين الديمقراطية التوافقية وهذا ما أنتج خليطا من الديمقراطية لم ينجح في إثبات فعاليته. فالدستور ينص على ان “الكتلة الأكبر” هي التي تشكل الحكومة، لكن الممارسة العملية انتهت الى تشكيل حكومات ائتلافية توافقية تضم كل الكيانات السياسية التي فازت بمقاعد في البرلمان على أساس مبدأ “الاستحقاق الانتخابي”. وهناك دعوات لاقامة حكومة أغلبية سياسية كما تقتضيه ديمقراطية الاغلبية. لكن مستلزمات اقامة مثل هذه الحكومة غير متوفرة.
والشرط الاول للنجاح في تشكيل هذه الحكومة هو وجود حزب كبير وليس فقط الحزب الأكبر في داخل البرلمان.
ماهو الفرق بين الحزب الكبير والحزب الأكبر؟
الحزب الكبير يجب ان يفوز بعدد معين من المقاعد البرلمانية سوف أحدده بعد قليل، اي ان الحزب يكون كبيرا قياسا الى العدد الكلي للمقاعد البرلمانية، في حين ان الحزب الأكبر هو ذلك الحزب الذي يفوز بعدد من المقاعد البرلمانية اكثر من الاحزاب الاخرى.
نظريا لا نتوقع ان تفرز الانتخابات حزبا او أحزابا يمكن ان توصف بانها كبيرة. والحزب الكبير هو الذي يفوز بنصف مقاعد البرلمان لكي يكون بامكانه تشكيل حكومة أغلبية او حتى حكومة الكتلة الأكبر.
في الانتخابات التي جرت في عام ٢٠٠٦ (٢٧٥ نائبا) و في عام ٢٠١٠ (٣٢٥ نائبا) وفِي انتخابات عام ٢٠١٤ (٣٢٨ نائبا) لم يتمكن اي حزب من الفوز بنصف مقاعد البرلمان. وهذا يعني انه لا يوجد حزب كبير لوحده في البلد، ورغم وجود كتلة اكبر في البرلمان تقوم بتشكيل الحكومة.
الحجم التالي هو الاحزاب المتوسطة (ليبهارت يسميها نصف الحزب) ويكون الحزب متوسط الحجم اذا حاز على ربع مقاعد البرلمان.
في انتخابات عام ٢٠٠٦ ظهر حزب واحد متوسط الحجم والبقية (١٢ كيانا سياسيا) احزاب صغيرة. يكون الحزب صغيرا حين يفوز بعدد من المقاعد البرلمانية اقل من ربع المجموع الكلي لعدد أعضاء البرلمان.
وفِي انتخابات عام ٢٠١٠ ظهر حزبان متوسطان والبقية (١٢ كيانا سياسيا) احزاب صغيرة.
وفِي انتخابات عام ٢٠١٤ ظهر حزب متوسط واحد والبقية (١٢ كيانا سياسيا) احزاب صغيرة.
وهذا يعني ان النظام الحزبي في العراق تألف في الدورات الانتخابية الثلاث الماضية من حزب متوسط او حزبين متوسطين و ١٢ حزبا صغيرا.
وكانت النتيجة المباشرة لهذا النظام الفشل في تشكيل حكومة أغلبية برلمانية، والفشل في تشكيل حكومة الكتلة الأكبر في البرلمان، لان الحزب المتوسط (عامي ٢٠٠٦، ٢٠١٤) او الحزبين المتوسطين (عام ٢٠١٠) لم يكن قادرًا على تأمين الأصوات اللازمة للفوز بثقة البرلمان. ولهذا كانت الطبقة السياسية مضطرة الى تشكيل حكومة الكل بمسميات مختلفة، أقربها الى الواقع هو حكومة المحاصصة القائمة على أساس مبدأ الاستحقاق الانتخابي.
وكانت النتيجة النهائية لهذا الفشل هو تشكيل حكومات معوقة ومشوّهة غير قادرة على الإنجاز.
الحكمة المستخلصة من هذه التجارب الثلاث هي ان الاحزاب المتوسطة والأحزاب الصغيرة غير قادرة على تشكيل حكومة مستقرة وكفوءة. وان الحل يتمثل في التوصل الى ظهور حزب كبير يفوز بأكثر من نصف مقاعد البرلمان ليكون بامكانه تشكيل حكومة أغلبية سياسية، لكن تمثيلية.
كيف يتم تشكيل الحزب الكبير؟
جرت العادة ان تلجأ الاحزاب العراقية الى تشكيل الكتلة الأكبر بعد ظهور نتائج الانتخابات وقبل الذهاب الى البرلمان. وهذا الإجراء صحيح قانونيا الا انه من الناحية العملية ينتج حكومات هزيلة هشة غير متجانسة وخاضعة لمساومات اللحظة الاخيرة.
ولتجاوز هذه الحالة بالإمكان اقتراح ان تسعى الاحزاب المتنافسة الى الاندماج بأحزاب اكبر بدل التشظي الكبير الذي تشهده الساحة السياسية مع كل موسم انتخابي. خاصة وان التعددية الكبيرة بل المفرطة في العدد ليست ناتجة من تعددية مفرطة مماثلة في القضايا المختلف عليها او البرامج السياسية المتباينة وانما هي ناتجة في اغلب الحالات من أمزجة ورغبات موسمية انتخابية لا تخلو من دوافع شخصية. ففي عام ٢٠٠٦ كان عدد الكيانات السياسية ٣٢٦ كيانا وفِي عام ٢٠١٠ انخفض العدد الى ٢٦٩ كيانا سياسيا. وفِي عام ٢٠١٤ كان عدد الكيانات السياسية ٢٧٧. ولم يفز في هذه الدورات الانتخابية الا ١٣ و ١٤ و ١٣ كيانا سياسيا على التوالي.
قد تسمح لنا هذه القراءة بالقول ان العدد الكبير المفرط للأحزاب السياسية قد يكون “طبيعيا” بالمعنى الهوبزي، لكنه ليس سليما من وجهة نظر الاجتماع السياسي والضرورات السياسية الديمقراطية والحسابات العملية البحتة.
وقد يسمح لنا هذا بالتنبوء ان ولادة الحكومة المقبلة ستكون عسيرة ايضا اذا جرى استنساخ تجربة السنوات الانتخابية السابقة.
ربما كان بالإمكان تدارك هذا الامر باندماج الاحزاب مع بعضها البعض، والدخول الى المعركة الانتخابية بعدد اقل من الاحزاب، لتكون النتيجة عددا اقل من الاحزاب المتنافسة الفائزة ( ٥ احزاب ربما) بحيث يكون أحدها حزبا كبيرا والبقية متوسطة وصغيرة. عندها ستكون ولادة الحكومة الجديدة ميسرة سهلة باْذن الله.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً