يتيمة الدهر

img

عبد الرزاق داغر الرشيد

كان عبد الملك بن محمد الثعالبي عالما لغويا رائدا وشخصية أدبية مرموقة وشاعراً. وُلد في نيسابور التي كانت تُعد مركزا تجاريا وثقافيا في بلاد فارس. يعد كتاب يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر أشهر أعماله التي تزيد عن الثمانين. الكتاب مجموعة من تراجم الشعراء في ذلك الوقت، ويحتوى على أربعة أقسام رئيسية يتناول كل منها إقليماً أو منطقه معينة: فهنالك شعراء الشام ومناطقها ؛ الشعراء البويهيون ( غرب بلاد فارس والعراق)؛ شعراء المناطق الجبلية من بلاد جرجان وتبريز ( بلاد فارس)؛ وشعراء ممالك أسيا الوسطى من بلاد خراسان وما وراء النهر. ويشتمل كل قسم من الأقسام الأربعة بدوره على عشرة فصول.
وعادة ما كان الثعالبي يسافر ليلتقي بالشعراء وجهاً لوجه. فإن تعذَّر ذلك، قابل من كان يعرفهم، فإن تعذَّر ذلك، قرأ الكتب التي تحدثت عنهم. انتهى الثعالبي من كتابة اليتيمة في عام 994 م تقريبا، وأعاد كتابتها مره ثانية بعد تسع سنين، بعد أن ذاع صيت العمل. وبعد حوالي عشرين عاما، قام بإضافة ملحق للكتاب يشمل تحديثا للتراجم وأضاف شعراء جدد، مثل أبي العلاء المعري، الذي ذاعت شهرته بعد الإصدارة الأولى. وقد قام خمس مؤلفين على الأقل بكتابة نسخ على منوال يتيمة الدهر، أو أضافوا إليها مواد جديدة تشمل مناطق جديدة، مثل الأندلس.
وقد ذهب ابن خلكان إلى أن اليتيمة ذيل لكتاب (البارع) لابن المنجم، وتابعه على ذلك حاجي خليفة. وبعد عشرين عاماً ألحق بها ذيلاً كان بمثابة السجل لمستجدات الشعر والشعراء، وفيه تطرق لذكر أبي العلاء الذي كانت شهرته قد طبقت الآفاق بعد انتشار اليتيمة.
تعد يتيمة الدهر المصدر الوحيد لمعرفة الكثير من شعراء القرن الرابع الهجري. ولها دور لعبته في إغراء المؤرخين من بعدها للنسج على منوالها، كان أولهم الباخرزي تلميذ الثعالبي المقتول سنة 467 هـ حيث ألحق باليتيمة ذيلاً سماه (دمية القصر) وتلا ذلك ثلاثة ذيوله هي (وشاح الدمية) لعلي بن زيد البيهقي المتوفى سنة 565 هـ و(زينة الدهر) للحظيري المتوفى سنة 567 هـ و(خريدة القصر) للعماد الأصبهاني المتوفى سنة 597 هـ إضافة إلى (الذخيرة) لابن بسام حيث صرح في مقدمته أنها ذيل لليتيمة في بلاد الأندلس. وقد سبق الثعالبي النقاد في ثنائه على كتابه فقال: «ولا أحسب المستعيرين يتعاورونه والمنتسخين يتداولونه حتى يصير من أنفس ما تشح عليه أنفس أدباء الإخوان، وتسير به الركبان إلى أقاصي البلدان. قال ياقوت: «رأيت نسخة منه بيعت بثلاثين ديناراً نيسابورية».

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً