ازمة الشكل والموضوع في الفن

img

د. كاظم شمهود

كثير ما تطرح امام النقاد والمحللين مشكلة الشكل والموضوع في المنتج الفني وعن الاشكالية والغموض الذي يلف حول مفهومهما والعلاقة التكوينية بينهما؟ وهل من المفروض ان يجتمعان في المنتج الفني الواحد او لا؟؟ او ان كل واحد له استقلاليته وارضه المناسبه له ؟؟ هذا ما سنراه في الاسطر الموجزة المتواضعة التالية .
معنى الشكل والموضوع :
ورد في القاموس العربي ان الشكل يعني الشيء وصورته دون الجوهر، بمعنى اي شكل مادي في الحياة سواء كان كائن حي او غيره .. وبالمفهوم الفني يعني صياغة العمل الفني وبناءه الانشائي . وفي القرآن (وصوركم فاحسن صوركم) اي شكلكم وجعلكم على هذه الصورة والهيئة الجميلة .. اما الموضوع فيعني المادة التي يبني عليها المتكلم او الكاتب كلامه . ويعني المضمون والفكرة التي قد يحملها الشكل او اللوحة او النص الادبي ..
في بداية القرن العشرين ظهر عدد من الحركاة الفنية الحديثة والتي سلكت في نهجها العبثية والعشوائية والتطرف والاسراف حتى انها نادت بالغاء التراث الانساني وتهديم المتاحف وحرق المكتبات ونجم عن ذلك انهيار كل من الشكل والموضوع وما تنطوي عليه من المبادئ والقيم الجمالية والاخلاقية ..
و نجد ذلك التطرف والانحراف ايضا ظهر في عدد من الحركاة الدينية حيث عمدت الى تهديم الآثار والمتاحف وحرق المكتبات كما حدث في العراق وسوريا وافغانستان . ويبدو ان الذي غذى هذه الحركات وكتب سينورياتها هو نفس المدرسة والمصدر ونفس الفكر ولو تباعدت الازمان والجغرافيات .
و خلال تاريخنا الحديث كثير من الفنانين ابتعدوا عن الشكل والموضوع واغرقوا في التجريد مثل الفنان الانكليزي ـ بن نيكو لسون ـ حيث قضى اكثر من ربع قرن من الزمان يرسم تجريدا وهو الذي حمل لواء الحداثة في انكلترا . ثم عاد الى واقعية الشكل والموضوع . وكذلك الفنان الايطالي ـ مور اندي ـ حيث كانت جل حياته مشغولا في التجريد ثم عاد يستمد موضوعاته من الطبيعة والعالم المرئي . اما بيكاسو فكان معروفا بتقلباته الفنية حيث كان يعود من آن الى الآخر الى الاوضاع الواقعية حتى آخر حياته 1973.
هل القيم الجمالية تكمن في الشكل والموضوع فقط؟:
جون راسكين كاتب ومفكر انكليزي اصدر كتابا اسمه ـ مصورون حديثون ـ واعتبر هذا الكتاب مذهبا كاملا في علم الجمال ولم تكن الرومانسية في انكلترا ذات طابع تصوري او مثالي كما هو في باريس وانما قامت على ما يكاد ان يكون تحديدا علميا للملاحظة، وقد ارتبطت بنزعة تجريبية محلية . وقد تحدث راسكين عن القيم الجمالية في اعمال ترنير. عن ذلك الخيال وتلك المراكب والعواصف والامواج الضاربة التي تغطي كل فضاء اللوحة وانغام الالوان الانطباعية والتي كانت هي الاساس في ظهور المدرسة الانطباعية . وكان راسكين قد وصف اعمال ترنير على اساس القيم الجمالية الشكلية وموضوعاته المتكررة عن البحارة ومناظر السفن .
ولا يعني ذلك ان القيم الجمالية تكمن فقط في الشكل والموضوع كما هو عند راسكين، وان الخط واللون وطاقاتهما الجمالية ليس لهما دورا في الفن، حيث هناك ما لا ينضب معينه من القيم الجمالية النوعية التي تقوم على الانحراف سواء كان في التخطيط او التلوين او التشكيل او العفوية، بما يختلف عن اوضاع اشكال الطبيعة او المحاكات عند الواقعيين والكلاسيكيين . ونجد فيها احيانا متعة روحية ساحرة نابعة من الذات قد تفوق اعمال المحاكاة . وبالتالي نجد القيم الجمالية النوعية موجودة في كل ركن من اركان الفن سواء كان قديما او حديثا . وكانت المدرسة الانطباعية في بداياتها خالية من الموضوع وكرس الرواد جهدهم لدراسة الالوان تحت تأثيرات الضوء والظل وكان مونيه يرسم نفس المنظر عدة مرات وفي او قات مختلفة ليرى كيف يتغير المنظر بتغيرات وتأثيرات االضوء . ولهذا دعى بعض النقاد المدرسة الانطباعية باسم الفن للفن . بينما المدرسة الواقعية والتي قادها كوربيه قد اهتمت بالشكل والموضوع وانتقلت الى روسيا وسميت بالمدرسة الاشتراكية وهنا ظهر اصطلاح الفن للمجتمع وان كان هذا الموضوع قد تطرق له سابقا عدد من المفكرين والفلاسفة مثل برناردشو وتولستوي واتخذوه شعارا لجودة وقيم الفن وامجاده . وعندما ظهرت الفنون الحديثة مثل التكعيبية والتجريدية حطمت الشكل واحالته الى سطوح وخطوط ومكعبات بحيث نرى عازف القيثارة عند بيكاسو قد اختفى بين الخطوط والمكعبات بحيث يصعب فرزه . ومن هنا كان هم هؤلاء الجدد هو كسر التقاليد الفنية القديمة وخلق فن حديث ليس له علاقة بالماضي .
وكان كوكان يترنم بحكمة شعرية: الفن لاجل الفن لم لا . الفن لاجل الحياة لم لا؟ الفن لاجل المتعة لم لا؟ . مالذي يهم طالما انه سيضل فنا؟

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً