الشخصنة

عبد الرزاق داغر الرشيد

كثيراً ما نسمع أن شخصاً يتهم آخر بشخصنة الموضوع أو الفكرة، وترى المختصين في مجالات علم النفس يقولون إنّ شخصنة الأمور لا تعود بالنفع على صاحبها، بل إنّها تُغلق الأبواب أمام الحياديّة، وتلوّث أفكار الناس، وآراءهم بالتطرف الفكريّ والتعلّق برأي الذات، وكل ذلك يُرجع المجتمع إلى مفاهيم ورائيّة قاصرة.
مفهوم الشخصنة تُعرّف الشخصنة على أنها الحكم على الآخرين، أو على أفكارهم، ووجهات نظرهم، وتصرفاتهم، من مُنطلق شخصيّ أو رؤية شخصيّة، ويُقال في اللغة العربية شَخْصَن الفكرة؛ أي شرحها من وجهة نظره الشخصيّة، أو أعطى الأمر صبغةً شخصيّة، وهذا ما يقودنا إلى أنّها بمثابة اقتياد الحقائق إلى المنابر التحليليّة الخاصة بشخص ما؛ فتراه يحكم على أحد بالفساد، لا لأنه رأى الفساد ظاهراً ومقترناً به ووفق حقائق مادية ملموسة، بل لأنّه ارتأى الحكم عليه لسبب يتعلق بأفكاره الخاصة، وتُعدّ هروباً جباناً من المناقشة وتقديم الحجج، حيث لا تلقى رواجاً إلا لدى الأشخاص المُصابين بحب التعالي أو نبذ الحقائق. مساوئ الشخصنة تعتبر الشخصنة مظهراً من المظاهر السلبيّة للثقافة، ونمطاً ثقافياً تقابله الموضوعية والحيادية، أحدثته التغيّرات المتواصلة والعميقة في المفاهيم والنظريات والفعل الإنساني على مدار السنين، وأهم هذه المساوئ ما يأتي: تُبعد صاحبها عن الحقائق، وتُعمي بصيرته عن الواقع. تُساهم في تعزيز ثقافة الاتهام، والتشكيك، والتقزيم، والنزعة الشخصية في الحكم، ويُعتبر مفهومها طريقاً مثالياً لزرع الأحقاد والكراهية بين الناس؛ لأنه يشكك في الفعل الحقيقي والنوايا البيضاء التي تحتاج منا التصديق والمساعدة. تعزز الفوارق بين الناس؛ لأنها تُقزّم شخصاً بينما تُعظم آخر بناءً على معايير شخصية، وفي المقابل فإن الحكم الموضوعي على الآخر يضمن للجميع وبغض النظر عن أي مواصفات مستوىً واحداً متساوياً من الكرامة الإنسانية. تُحد عطاء الإنسان ونتاجه؛ لأن إعجابه مرتبط بأشخاص، وسخطه مُنصَب على آخرين؛ وفي كل الأحوال فهو يتحرك ضمن إرادة الآخر والمنظور الشخصي، ولا يتحرك وفق الحقائق أو الطبائع الإنسانية. تطمس الحق وتقوّي الباطل؛ لأنها قائمة على أساس الأشخاص وليس على أساس المبادئ السليمة. تطرد المعايير الأخلاقية في التعامل مع الناس، وذلك من خلال تحييد الحق ولصق الإشكالية بطبيعة الشخص وصفاته، والذهاب إلى التجريح في الكلام والألفاظ، ومثالٌ على ذلك عندما يقول مدير لموظف معه في الشركة: أنت غير قادر على تطوير مهامك وقدراتك في العمل لأنك ضعيف الشخصية، وتمتلك تاريخاً عائلياً حافلاً بالمشاكل، فهو لم يُقيّم الموظف بناءً على قدراته الوظيفية بل بناءً على أحواله الشخصية. تؤدي إلى نسف جهود الموهوبين، والطامحين، والساعين إلى التغيير، وتقودهم إلى الإحباط والانزواء بعيداً عن عجلة الحياة. تطيل عُمر معركة البحث عن الوعي المجتمعي والفكري، وتحرير الأفكار من قيود الجهل والتخلّف.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً