الهيمنة الثقافية

عبد الرزاق داغر الرشيد

تعدّ الثقافة سلاحا هاما خطِرا في أيدي القوى العظمى يمكنها من خلاله فرض هيمنتها على العالم. ومن أكثر الأسلحة الثقافية خطورة نجد سلاح الصورة الذي تستغله هذه القوى لتمرير أنساق الهيمنة والإمبريالية والتوسّع الإمبراطوري، خصوصا بعد اندثار وسائل الاستعمار التقليدي بكافّة أشكاله. فالصورة ليست مجرد نسق أيقوني يحمل قيما جمالية فقط، بل تتعدى إلى نصوص خطابية ذات طبيعة تفاعلية حُبلى بالقيم الثقافية وبالأنساق، والهدف منها التبليغ والتأثير في المتلقّين.
تتعدّد الوسائط التي تعتمد على الصورة، كما تتعدّد الصورة ذاتها بحسب طبيعتها. والصور المتحركة أبلغ إيصالا للمعنى من الثابتة، لأنها تظهر عبر وسائل تكنولوجية حديثة من سينما، وتلفزيون، وشبكة عنكبوتية… وغير ذلك، كما أنّها تحوي العديد من العلامات البصريّة، والتأويل والاستقبال فيها مفتوحان، ممّا يجعلها أخطر الأنواع المشحونة بالحمولات الثقافية.
وقد أدرك النقّاد الثقافيون أهمية هذا الأمر حين طرحوا مصطلحات “ثقافة الصورة”، و”ثقافة التلفزيون”، و”ثقافة وسائل الإعلام”. فبالصورة يجري تسريب محاولات الهيمنة وصناعة العنف عبر الأفلام السينمائية. وبها أيضا يتمّ التسلّط والتحكّم عبر وسائل الإعلام إذا ما تحكّمت فيها جهة معينة أو جماعة تريد دفع المشاهد لمسايرة توجّهات مُلّاك هذه الوسائط، حين يتمّ التلاعب بالخبر أو بالصورة نفسها لتثبيت وتدعيم تلك التوجّهات. كما أنّها تُنتج ثقافات سريعة لدى المتلقّين، بفضل ميزات الإرسال السريع التي تتوفّر عليها، والاستقبال الآني منهم.
لقد ظهرت في فترة ليست ببعيدة بعض الأفكار والاتجاهات النقدية الرامية إلى دراسة تأثير وسائل التواصل وتدخّلها في تشكيل أفعال التلقّي وتوجيهها لصالح الهيمنة الثقافية الرأسمالية وحول إشكالية التفاعل بين الوسائل والمتلقّين، وكذلك اتّجاه “نقد ثقافة الإعلام”.
في صناعة السينما الأمريكية يتشكَّل مفهوم “الهيمنة الثقافية” ويتمُّ هيكلة الوعي الفردي والجمعي لدى الشعوب، وتصدير صورة الفرد الأمريكي القويّ ودولة القيم والعدل عبر الصورة. حيث تتحكّم وسائل الإعلام البصرية وسينما هوليوود في آراء المشاهدين وعواطفهم، وتدفعهم إلى تبنّي أفكارها دون وسائط، وبطرق مباشرة عبر الشاشة، لتصل إلى المتلقّي بأبهى تقنيات التصوير وأسرعها إنتاجا وتشكيلا للوعي، وفي صناعة السينما تنافس كبرى شركات الإنتاج في هوليوود الشركات الاقتصادية الكبرى بأمريكا، بل تسهم هذه الشركات في نموّ الاقتصاد مباشرة بما تجود به من إيرادات الضرائب، وتسويق الأفلام بمبالغ مالية ضخمة جدا.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً