سيمفونية “شهرزاد” انبعاث مستمر في الخيال الشرقي

مقداد خليل

في إحدى الفترات شعرَ الموسيقي الروسي ريمسكي كورساكوف (1844- 1908) بالندم أنه عنونَ متتاليته السيمفونية باسم “شهرزاد” واختار لحركات سيمفونيته الأربع عناوين مقتطفة من كتاب “ألف ليلة وليلة”؛ إذ أمسى لا يقدرُ لاحقاً أن يتحرر من ارتباط السيمفونية بالكتاب، ومن عدِّها تصويراً لأحداث ومجريات بعينها قامَ بالتأليف عليها. لكن كورساكوف لم يكن ليعنيَ الندمَ حقّاً؛ كان ذلك نوعاً من الشكوى المحبَّبة حينَ جرى ذكرُ مؤلَّفه الموسيقي على الألسن مقروناً بالكتاب المشرقي ذائع الصيت.
تقترنُ سيمفونية شهرزاد في ذاكرتنا بقصص الكِتاب، وأيضاً بمنظر طيور السنونو ذات البهلوانيات على مستوى قريب من الأرض، في أماسي الصيف، قبيل إفطار صائمي رمضان. وعلى نحو خاص تستدعي السيمفونية الانطباعات القديمةَ عن مسلسلات وبرامج رمضان المستوحاة، أو ذات الصلة بكتاب ألف ليلة وليلة؛ حيث ترافقُ تلك الأعمال الفنية مقاطعُ من السيمفونية، يُعزف فيها على الأوتار الرقيقة للكمان المنفرد، صحبةَ ترانيم القيثارة، المرسَلة من بعيد. اعتُبرت مقاطعُ الكمان تلك مؤلَّفةً للمستمع الشرقي، الشاعرِ بها موسيقا تراثيةً وليدةَ قصور بغداد أيام خلافة هارون الرشيد، وبالتالي انقطعت صلة السيمفونية بكل زمان آخر.
على الرغم من اطلاع كورساكوف، واستماعه أثناء عمله في الكلية البحرية إلى أهم الأعمال الأوبرالية؛ كروائع روسيني وفيردي الإيطاليين، إلّا أن اهتمامه انصب على أداء الفرقة السيمفونية، فألّفَ بحثاً واسعاً في التوزيع الأوركسترالي والهارموني، ناهيك عن تطبيقاته العملية لمهارات التوزيع ضمن مؤلفاته المتتابعة. كان كورساكوف مولعاً بالأسطورة الروسية القوقازية والفلكلور والأغاني الشعبية، والابتهالات الدينية السابقة على دخول المسيحية أرضَ روسيا، ولم يخمد هذا الولعُ يوماً ما، بل إنّ جل ما أنتجه كان نتيجةً له، وفي ذلك اصطفى موضوعاته وشخوصها من مؤّلفات؛ يكونُ من المشوق أن يستوحى منها نصٌّ موسيقي. عبرَ مرآة قصص “أمسيات قرب قرية ديكانكا” لـ نيكولاي غوغول يُتكهَّن بعذوبة وسحرية عمل كورساكوف الأوبرالي “ليلة مايو” المنسوخ موسيقياً ودرامياً عن قصص الكتاب، وليس أقل من ذلك إثارةً تأليفُه مقطوعة موسيقية عن الشخصيات الأسطورية في مقدمة “روسلان ولودميلا” لـ ألكسندر بوشكين، وتأليفه أوبرا “عذراء الثلج” عن مسرحية بالعنوان نفسه لـ أوستروفسكي. شغفُ كورساكوف بالتراث دفعه في الأنحاء مستقصياً خارج نتاج بلده؛ فحين اطّلع على “الأوديسا” جذبته إلى التأليف، وكان من ثمار تأثُّره ببديع تراث الشرق صوغُه موسيقا مسرحية “حلّاق بغداد” ذات الفصل الواحد، بالإضافة لعملِه الموسيقي “عنترة”، إلى جانب “شهرزاد” التي طعّمَ الأوركسترا في أدائها بالآلات النحاسية والإيقاعيات لأغراض تعبيرية خاصة، متأثّراً بطريقة فاغنر في التوزيع وبمهارات تشايكوفسكي في فن الهارموني.
كان كورساكوف مولعاً بالأسطورة الروسية القوقازية والفلكلور والأغاني الشعبية، والابتهالات الدينية السابقة على دخول المسيحية أرضَ روسيا
“شهرزاد” المتتابعة السيمفونية، ألفها كورساكوف سنة 1888 اعتماداً -كما هو معروف- على قصص كتاب “ألف ليلة وليلة”. تتكوّن من أربع حركات، سمّاها حسب القصص التي تناولها من الكتاب:
1_ البحر وسفينة السندباد: يبدأ في هذه الحركة التعريفُ بصوتَي السيمفونية اللذَين سيطغيان على مجمل العمل الموسيقي؛ فثمة الآلات النحاسية التي تعزف عن الملك شهريار الصارم والغاضب، وذلك في لقاء الأنغام العذبة الرقيقة للكمان المصحوب بالهارب تعبيراً عن منطق شهرزاد الأنثوي البارع. تنقل الموسيقا مغامرات السندباد البحري؛ الشخصية الخيالية التي شاع ذكرُها كثيراً خلال أعمال فنية متنوعة؛ هذا التاجر من بغداد، الذي قام بسبع رحلات اجتاز خلالها الأهوال، ولقي العجائب من غيلان وعمالقةٍ وثعابين وطيورِ رخ، فضلاً عن قصص حول كنوز عثر عليها.
2_ الأميرُ الكالنداري: يستهلُّ الكمان الرقيق مع الهارب افتتاحَ هذه الحركة كي تروي شهرزاد للملك شهريار قصص الأمير الذي كان في جماعة المتسوّلين قبلَ أن يتحوّلَ إلى أمير. ينسحبُ الكمان والهارب مع اندفاع آلات النفخ النحاسيّة إيحاءً بالمغامرات الخطرة والمعارك التي يخوضُها الأمير، وعلى نحو آخر يتراجع الصخب النحاسي، وتشرع آلتا نفخٍ في العزف المنفرد تباعاً، لتعود الأوركسترا متوحدةً بلحن صاعد ينهي الحركة عند الذروة. في هذه الحركة يستعينُ كورساكوف بآلات النفخ القريبة إلى النفس الشرقي، خدمةً لأدواته التعبيرية.
3_ الأمير الشاب والأميرة: هذه الحركة مُجمع على أنها الأشد عذوبة، بالنظر إلى موضوعها؛ حيث قصة الحب المليئة بمواقف الوفاء والتفاني، والأحداثِ الخارجة بمجملها عن طور المسلك العقلاني، فتكثرُ حوادث التحول في المظهر من كائنٍ لآخر. مجموعةُ الوتريات تؤذن بحضور الأمير، وآلةُ الكلارينيت تعوّض الأميرةَ. تتميز الحركة بخفة راقصة تتنقل فيها الآلات تعبيراً عن فرحةٍ عامة. تنتهي صعوداً كسابقتها.
4_ الاحتفالات في بغداد: في هذه الحركة يبرزُ جهدُ كورساكوف أكثر، حيث يكون التنويع على أشده. تتجلى براعةُ التوزيع، والمناوبات ما بين عزف الآلات؛ فاستدعاءاتُ القصة المشتملة على مهرجانٍ ومغامرةٍ أخيرة للسندباد في البحر، مع مقابلها من لجاجةِ شهريار على إنهاء القصة، ومحاولات تطويعه من قبل شهرزاد؛ تقضي بأن تستنفرَ الأوركسترا حتى لحظة الختام.
تتهشم سفينةُ السندباد في نهاية القصة على الصخور، فينظر إلى حطامها متحسّراً. بالنسبة لشهريار؛ فهو يندمجُ أخيراً في المحبة المشتركة مع شهرزاد، شبهَ خاضع. على صعيد الحركة الموسيقية ينتهي صخبُ الآلات إلى هدوءٍ أشبه بالسكون، تعقبه خاتمةُ متتاليةِ كورساكوف السيمفونية.

شارك الخبر على مواقع التواصل الاجتماعيEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on TumblrShare on Facebook

الكاتب كاتب

كاتب

مواضيع متعلقة

اترك رداً